حتى ملف آخر - ديوان غزل وحنين الادبى

حتى ملف آخر - ديوان غزل وحنين الادبى


حتى ملف آخر


في فبراير عام 2003، قام ألاستير كامبل، الصحفي والمحلل السياسي الشهير، بالانتهاء من


ملف كلفته الحكومة البريطانية بإعداده حول أسلحة الدمار الشامل في العراق. وفي ملفه


الملغم، حاول الرجل أن يجمع كل الأدلة الدامغة التي تثبت أن بوش ورجاله على حق وأنهم لا


ينطقون في شأن العراق عن الهوى. وبعد كثير من الكشط والتعديل، تطابق تقرير الرجل مع ما


توصلت إليه لجنة تقصي الافتراءات الأمريكية من وجود أسلحة دمار شامل بأرض الرافدين.


وهكذا وجدت طائرات الحلفاء ستارا أخلاقيا يغطي أجنحتها الدنيئة لتبدأ بالتحليق في سماء


أرض الأنبياء وتمطر أهلها بوابل غير صيب من الحمم في العشرين من مارس من العام نفسه.


وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، وفتحت العراق أقفالها لفرق التفتيش، لم يجد الباحثون عن


الدمار ثمة أسلحة تبرر ما فعله جند بوش وبلير بالعراق وأهله، ليخرج السكرتير العام للأمم


المتحدة عن صمته القبوري معلنا برأس منكس وصوت خفيض أن الحرب على العراق تتنافى


تماما مع دستور الأمم المتحدة. وهو ما اضطر صاحبنا كامبل إلى الوقوف المهين أمام لجنة


تحقيق بريطانية ليدافع عن ملفه القبيح. لكن الرجل الذي امتص طوني بلير رحيق قلمه حتى


الثمالة، وقف ينافح عن قلمه الملوث متهما الحكومة البريطانية بالتسرع واتخاذ ملفه القذر


ذريعة للغزو رغم أنه استند في معظم ما جاء به من افتراءات إلى رسالة أعدها طالب في


جامعة كاليفورنيا يدعى إبراهيم المرعشي منذ اثنتي عشرة سنة. كان كامبل يقف بين يدي


قضاته عابسا وقد أمسك بيده اليمنى دبوسا يدسه في لحم يسراه بين الفينة والأخرى ندما


أوراق لطخها الحبر الكاذب والدماء الطاهرة. لكن نزغات الدبوس في لحم الرجل لم تغفر له


آلاف الصرخات اليائسة ومئات الجثث المتفحمة وآلاف الهكتارات من المنشآت المدمرة. ولم


يغفر له التاريخ تقسيم شعب ظل على مدى التاريخ موحدا، وتفتيت تربة تشققت عن أول نبتة


عرفها الإنسان القديم. اليوم، يبحث الأمريكان عن كتاب من فصيلة كامبل، وحلفاء من عينة




بلير، وبحوث لأمثال المرعشي ليجدوا مبررا زائفا آخر يسوغ لهم التقدم نحو عاصمة عربية


أخرى.


فقد طال انتظار المارينز خلف أسلاك الدول المجاورة لسوريا في انتظار ساعة القفز فوق


أسلاك المؤسسات الدولية الشائكة. لن تعود عربات الجند إلى الخلف ولن تعود طائرات


الحلفاء إلى قواعدها خائبة إذن قبل التزود بدماء عربية جديدة وإن كره الروس وحلفاؤهم. ولن


تعود يدا أوباما إلى جنبيه حتى يقطف ثمار ربيع عربي زرعه سلفه وآتى أكله في بلادنا


اليباب المكفهرة.


بقى أن يبادر العرب بتقديم مسوغات هزائم جديدة تضرب ما تبقى لهم من تاريخ


وتراب. تقف دمشق اليوم راعشة بين خوف وخوف في انتظار قصف من قريب يتجهمها، أو


غزو من بعيد سلم له العرب قيادها. ويقف التاريخ أمام واقعنا المخجل ممسكا بسجله الضخم


الذي لم يعد مسليا أبدا. فقصصه المفبركة تستند في بلادنا على الحبكة نفسها، ويعيد أبطاله


تمثيل أدوارهم في تكرار ممل يبعث على السأم والضجر. إما المشاهدون، فلا هم يملون ولا


يخجلون.




وتقف اليوم مصر على شفا ملف قريب تنظر إلى شقيقتها في استسلام ويأس كشاة يشدها


حجر ثقيل نحو هاوية محققة. لكن دموع عجزها لن تعفيها من دفع فواتير الاستسلام المخجل


للتقارير التي لا يمل الكامبليون إعدادها. ربما تُضرب سوريا كما ضربت العراق، وربما يعد بان


كي مون خطاب ما بعد الغزو من الآن. وربما يستعد ثوار الربيع العربي لاستقبال أفواج


المحررين القادمين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم. عن قريب، قد نرى جسد بشار


يتدلى من مشنقة أعدت سلفا بليل، أو نراه يخرج من ميزاب قذر أو نرى ثوار الزمن الرديئ


يقفزون فوق تماثيله في الميادين ليوسعوها ضربا وركلا. لكن المؤكد أننا لن نضحك ملء


أفواهنا المشققة كما فعلنا ذات بلاهة. بل سنقف بكل خشوع أمام جثمان الطاغية المتدلي


من أعماق تاريخ عفن نحوقل ونبتهل إلى الله أن يتأخر دورنا قليلا لننعم بغفلتنا أطول نكسة


ممكنة.


عبد الرازق أحمد الشاعرأديب مصري مقيم بالإمارات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق