حدود الأهل في الرقابة والتلصص

خلال عامي 2016 و2017، كانت المحاسبة الأمريكية «ماندي سنيدر» تراقب ابنتها، البالغة من العمر 13 عامًا، باستخدام تطبيق «mSpy»، الذي يمكِّنها من مراجعة الرسائل النصية والصور ومقاطع الفيديو ومختلف التطبيقات وسجل المتصفحات على هاتف الفتاة.

لا ترى ماندي عيبًا في ذلك، فقد أشارت إلى أنها تمكنت من التدخل عندما اكتشفت أن ابنتها كانت تخطط مع صديقها لممارسة الجنس. ففي الوقت الذي تقدم فيه التكنولوجيا طرقًا جديدة للأطفال للتورط في المتاعب، فإنها توفر أيضًا سُبلًا عدة للآباء والأمهات لمراقبتهم.

وفق مقال نُشر على موقع «Nautilus»، فإنه مع وجود تقنيات تتبع مثل «mSpy» و«Teen Safe» و«Family Tracker»، يتمكن الوالدان من مراقبة المكالمات والنصوص ووسائل التواصل الاجتماعي، ويمكنهما أيضًا تحديد مكان الطفل وهاتفه.

غير أن هناك خطًّا رفيعًا يفصل بين الحماية وتشديد الرقابة، فأدوات التجسس الرقمية الجديدة تضع الآباء والأمهات في مأزق، لأن المراهقة وقت حرج في حياة البشر، يحتاجون فيه إلى الخصوصية والشعور بالذات لتطوير هواياتهم الخاصة، ومحاولة تسلل الوالدين إلى جوانب خفية في حياة أبنائهم الشخصية قد تكون أكثر ضررًا.

الخصوصية: شغل المراهقين الشاغل

بشكل عام، قد يكون الهدف من الأبوة والأمومة خلق شخص قادر على الاكتفاء ذاتيًّا، إذ تبدأ عملية تطوير الاستقلالية الصحية بمجرد أن يتمكن الأطفال من التخلي عن والديهم واتخاذ قراراتهم بطريقة مستقلة. تشير «نانسي دارلينغ»، وهي متخصصة في علم النفس التنموي، إلى أن صعوبة الأبوة والأمومة تكمن في موازنة رغبة الطفل في الحكم الذاتي على الأمور، مع مخاوف والديه المتعلقة بالسلامة.

الخصوصية جزء أساسي من تطوير هذا الاكتفاء الذاتي، إذ يرى «سكايلر هوك»، عالم النفس الاجتماعي الذي يدرِّس تطوير المراهقين، أن تجربة الخصوصية هي على الأرجح حاجات إنسانية أساسية تتجاوز الثقافة، ففي أثناء مرحلة المراهقة يتغير تفكير الأطفال وأجسادهم وحياتهم الاجتماعية بسرعة، وعند محاولة التعبير عن أنفسهم، فإنهم يحتاجون إلى مساحة لتفهم ذلك.

فيما تشير «ساندرا بيترونيو»، أستاذة دراسات الاتصال ومديرة مركز إدارة خصوصية الاتصالات في جامعة إنديانا الأمريكية، أن الخصوصية ليست مهمة فقط بالنسبة للمراهقين، بل هي «واجبهم»، فالوظيفة الرئيسية للمراهق هي التفرد ومحاولة الابتعاد عن سيطرة الوالدين، وإحدى الطرق الواضحة لذلك هي المطالبة بمساحتهم الخاصة.

توجد أدلة عديدة تثبت أن التدخل في خصوصية الأبناء قد يضر بعلاقتهم بالوالدين، وتؤكد بيترونيو أن ذلك قد يسبب نوعًا من فقدان الثقة.

لا تتجسس: ابنك أذكى منك

 

ينوِّه سكايلر هوك إلى أن التجسس قد لا يبقى سريًّا لفترة طويلة، فمعظم الأطفال أكثر تمرّسًا في التكنولوجيا من والديهم، وقد يتمكنون من التلاعب بأماكنهم أو محادثاتهم، وإيصال بيانات غير حقيقية لتطبيقات التجسس.

لا يشعر الأبناء بالثقة تجاه آبائهم، مما يؤدي إلى غموضهم بشكل أكبر، وقد رأى هوك هذا التأثير في عينة من الطلاب في هولندا، إذ تتشابه مشاعر التفرُّد والاستقلالية مع تلك الموجودة في الولايات المتحدة. وبسؤال الأطفال عما إذا كان آباؤهم يحترمون خصوصياتهم، وإعادة ذلك بعدها بعام، عبّر الأطفال عن سلوكيات أكثر سرية، فيما أبلغ آباؤهم عن معرفة أقل بأنشطة الطفل وأصدقائه ومكان وجوده.

نمط تزايد مشاعر الخصوصية تقابله معرفة أقل بنشاط المراهق من قِبل والديه، بحسب هوك، فانخراط الوالدين في سلوكيات تدخلية للغاية سيؤدي في النهاية إلى نتائج عكسية، ورغبة أكثر عنفًا من المراهق في الابتعاد عن والديه.

المراقبة: تأثير سيئ في الصحة العقلية

لا تتضرر العلاقة بين الوالدين والابن فقط في حالة عدم امتلاكه مساحة شخصية كافية، بل إن ذلك قد يؤدي إلى خلل في صحته العقلية، ويجعله يعاني من مشاكل نفسية مثل القلق والاكتئاب.

يشير «لورنس شتاينبرغ»، أستاذ علم النفس في جامعة تيمبل الأمريكية، أن عديدًا من الأبحاث ناقش تعرض الأطفال الذين يكبرون في وجود آباء مسيطرين بشكل مفرط لمشاكل في الصحة العقلية، ويُرجع ذلك جزئيًّا إلى أنها تقوِّض ثقة الابن في قدرته على العمل بشكل مستقل.

في حال عدم منح الآباء الفرصة لأبنائهم لاتخاذ قراراتهم الخاصة، فإنهم يفوّتون عليهم فرصة التعلم من تلك القرارات. ورغم التزام الآباء بتوجيه أبنائهم وحمايتهم من الأذى، فإنه لا بد من إعطاء الفرصة للمراهقين لاختبار الحدود، وذلك وفقًا لـ«جوديث سميتانا»، أستاذة علم النفس التي تدرس العلاقات بين المراهقين والآباء.

لكن حتى عندما يدرك الآباء أهمية الخصوصية، سيغدو من الصعب وضع حد معين لا يمكن تجاوزه، إذ أشار «دالتون كونلي»، عالم الاجتماع ومؤلف كتاب «Parentology»، إلى أن هذه الحدود ستختلف في كل أسرة، حتى داخل نفس الطبقة الاجتماعية والحي الواحد.

حتى علماء الاجتماع يراقبون أبناءهم

علماء الاجتماع والمدركون لأهمية الخصوصية لم يسلَموا من بعض التناقضات، إذ أشارت نانسي دارلينغ إلى أنها بقدر ما تدعو إلى إعطاء الأبناء مساحة لتطوير الحكم الذاتي الصحي، فإنها تقلق أحيانًا إزاء أبنائها، وطلبت من ابنها الأصغر تشغيل ميزة البحث على هاتفه المحمول لتتمكن من تعقبه إذا لم تقدر على الوصول إليه، وفي يوم آخر، حين تخلف ابنها الأكبر عن موعد عودته، دخلت سجلات هاتفه كي تتمكن من الاتصال بصديقته، الأمر الذي أثار حفيظته.

تعرّض عديد من الآباء لمشاكل قانونية بسبب تركهم أبناءهم يسيرون بمفردهم إلى المدرسة، أو يلعبون دون إشراف في الحديقة.

وفقًا لدارلينغ، فإن الأبناء يشعرون بهشاشة خصوصياتهم حين يتدخل الآباء بشكل عنيف في حياتهم الشخصية، بتصرفات مثل التنصت على محادثة أو قراءة ما يكتبونه، غير أن معظمهم يدركون سلطة الآباء المشروعة المتعلقة بقضايا السلامة.

الإعلام محرك أساسي للمراقبة

خطف طفل في الإسكندرية

يشير بعض الخبراء إلى أن الضغوط الثقافية أصبحت عاملًا يُسِهم في التضييق على الأبناء، إذ تعرّض عديد من الآباء لمشاكل قانونية بسبب تركهم أبناءهم يسيرون بمفردهم إلى المدرسة، أو يلعبون دون إشراف في الحديقة. ويعزو عديد من الخبراء ذلك إلى وسائل الإعلام الحديثة، التي تقدم بانتظام عناوينَ مرعبة عن الاختطاف.

وتوضح ساندرا بيترونيو أن وسائل الإعلام زادت من مخاوف الآباء، وبالتالي تحول ذلك إلى قيود على الأطفال والمراهقين، وحتى الشباب.

بالطبع يعيش بعض الأطفال في أحياء خطيرة، وهنا قد تظهر بعض الاستثناءات، إذ يتعامل هؤلاء بشكل أفضل مع المراقبة الأبوية الصارمة. وبحسب المقال، وجدت دراسة أن الأبناء الذين يعيشون في أحياء الطبقة الوسطى قليلة المخاطر، والذين قوّضت أمهاتهم استقلاليتهم، لديهم علاقات أسرية سيئة للغاية، غير أن الأطفال في الأسر ذات الدخل المنخفض أظهروا علاقات أفضل مع أمهاتهم، وحتى مشاكل أقل حين تكون أمهاتهم أكثر سلطوية.

لكن رغبة الوالدين في التجسس، في عديد من المجتمعات المحلية، قد تكون أقل تأثيرًا في الحفاظ على سلامة أبنائهم، إذ ترى بيترونيو أن محاولة إشباع رغبتك في المعرفة قد لا تتيح مجالًا لطفلك لتعلم كيفية اتخاذ قرارات أفضل.

ووفقًا لأبحاث هوك، فإن الآباء الذين يتجسسون على أبنائهم يمتلكون ثقة أقل في قدراتهم على الأبوة والأمومة، وقلقًا إزاء علاقتهم بأطفالهم، غير أن هذه المخاوف تكون في كثير من الأحيان لا علاقة لها بسلوك طفلهم.

التواصل هو الحل

عندما يتعلق الأمر بإنشاء حدود صحية، يشير علماء النفس إلى أن التواصل الجيد هو الحل ولا يوجد بديل عنه، فالأطفال الذين يميلون إلى تبادل الحديث مع والديهم أكثر عرضةً لتحسين سلوكهم، ويرى هوك أن أفضل طريقة لمعرفة ما يجري مع ابنك هي الحديث معه.

يزعم بعض الآباء أن المراقبة تحسن التواصل مع أبنائهم، إذ تشير سنايدر إلى أن استخدام تطبيق تتبُّع على هاتف ابنتها جعلهما تتحدثان في قضايا مثل الجنس والمخدرات والانتحار والأصدقاء، وساعدت قراءتها لمحادثات ابنتها مع أصدقائها في خلق علاقة منفتحة بينهما.

مع ذلك، فمن المحتمل أن معظم الآباء والأمهات الذين يحمِّلون تطبيقات التجسس، لا يفعلون ذلك لإجراء محادثات هادفة مع أطفالهم، بل لمجرد مراقبتهم عن قرب.

من الواضح أن الخصوصية والمساحة الشخصية مهمة لمساعدة الأطفال على البلوغ بشكل صحي. وحاليًّا، ومع سهولة اقتحام خصوصية الآخرين، صار على الآباء والأمهات طرح بعض الأسئلة التي تتعلق بالخصوصية على أنفسهم، قبل البدء في التجسس على أولادهم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق