الرقص فوق صفيح السعادة - منتديات غزل وحنين

الرقص فوق صفيح السعادة - منتديات غزل وحنين





حصرى

الرقص فوق صفيح السعادة






















الرقص فوق صفيح السعادة





في بلادنا، يثاب المرء على القنبلة ويجلد حين يقرر الرقص حافيا فوق أسطح
البنايات العارية وفوق الأرصفة البليدة، لأن شرطة القيم في فراغنا المقدس
لا ترصد إلا رعشات الفرح في الأجساد المنفلتة.





وبما أن الجَزَر في عهد السطو الديني المسلح لم يعد خيارا، لا يتبقى أمام
طالبي النشوة إلا الرقص تحت سيوف الطغاة وهم يلوحون بعلامات النصر.





في إيران يمكنك أن تغازل المنظمات الدولية برقصة فاجرة، لكن عليك أن تبقى
منتبها لقرع نعال الحرس الثوري وأكفهم الغليظة، وأن تنكس رأسك كما ينبغي
وهم يدفعونك نحو استجواب مطول في الغرف المظلمة.







تاريخنا اليوم يعيد نفسه، لكنه لا يدور حول ساقية الأيام كثور معصوب، بل
يتراجع كحية رقطاء تخلع حضارة السنين لتقف عارية فوق تلال الدجل ليمارس
شعوذة رخيصة ظنت البشرية أنها تجاوزتها إلى الأبد ذات حضارة.







عود التاريخ ليس اليوم أحمدا كما يظن معظم المؤرخين، لكنه عود مهزوم فوق ما تنبأ أكثرهم تشاؤما.







ولأن الرقص ليس أعلى مراتب الحرية، فلا يفرحن المغردون في طهران بوقوفهم حافين غرلا فوق سطوح منازلهم.







ولا تشمتن النسوة اللاتي قطعن أغطية رؤوسهن أمام أعين المراهقين المتلصصة
بعمامة فقيه، لأن التمرد على الفقيه شيء آخر غير الحرية التي يظنها الظامئ
قطرا، ويخالها الثوار ربيعا.







ذات تحد، وقف ستة من المراهقين ليمارسوا الرقص الحافي فوق بلاط طهران
العتيق معلنين تمردهم على شرطة الفضيلة التي لم تترك من الدين جزرا إلا
أكلته، وعلى الفيسبوك تابع رقصتهم آلاف المتعطشين لانعتاق دائم من أخلاق
فرضتها عليهم الأنظمة، وأجبرهم عليها الفقيه.







وعلى أنغام فاريل وليامز، تابع آلاف المندهشين ثلاثة من الإيرانيات وهن يرجرجن أردافهن وينشدن مع أعضاء فريقهم السداسي للسعادة.







لكن "الكليب البذيء أضر بالطهر العام،" حسب تصريح رئيس الشرطة حسين
ساجيدينيا، وهو ما حدا برجال الوصاية إلى وضع الأغلال في معاصم مسدس العهر
واقتيادهم لغرف التحقيق خافتة الإضاءة.







لكن الشرطة الإيرانية لم تحتجز فريق التحدي لأنه حاول نشر "السعادة" كما يظن وليامز عبر موسيقاه الراقصة.







فقط أراد الواقفون على ثغور الفضيلة أن يحموا أطفالهم وذراريهم من التبعية
المذلة لرذائل الغرب الفنية التي تجاوزت كافة حدود المسموح في مجتمع
إيران المحافظ.







لكنهم رغم اقتحامهم لحفلات الراقصين، وتحطيم آلات العزف، لم يستطيعوا
إيقاف الراقصين عن ثني خصورهم كما صرح المطرب الفار آراش سبحاني لإذاعة
البي بي سي الفارسية.







ولم تهدئ تصريحات الرئيس روحاني التي أدان فيها عملية الاعتقال من غليان
الشارع الإيراني الذي اعتبر القبض على شباب "السعادة" عملا استفزازيا،
فالحظر لم يمنع فيديو "سعداء أننا من إيران" من تحطيم الأرقام القياسية في
نسبة المشاهدة، بعد أن تجاوز عتبة الأربعين ألف مشاهد.







كما لم يحل حظر المواقع الإلكترونية الإباحية المارقين في مدن الأخلاق من
تجاوز كل الخطوط الحمراء والتحايل على الحظر بكافة الوسائل الأخلاقية منها
وغير الأخلاقية.







لكن شرطة القيم لم ترد اعتقال "السعادة" في إيران كما يتصور جولنتز
اصفندياري، فقط أراد حاملوا الهراوات الدينية أن ينتصروا للرب على ممالك
الشر المتربصة ببلادهم، لكنهم وجهوا بنادقهم الأخلاقية بالخطأ نحو صدور
شباب لم يريدوا التمرد بقدر ما أرادوا الحرية.







ولأنهم تعلموا من مهد الوصاية إلى لحد القمع أن الدين عمامة وحجاب، قرر
المقموعون جدا أن يتجاوزوا خطوط الترقب وأن يبادروا بالرقص غير الحر فوق
صفيح بلاد ملتهب.





حين تفرض البنادق حصارا خانقا على الحريات باسم الدين، يخرج الناس على
البنادق وعلى الدين، وحين يتحول المشرع إلى معمم يفرض الوصاية أو فقيها
يخلط طحين السياسة بزيت الدين، يرقص الناس حفاة فوق طرقات المدينة وتخلع
النساء عذريتها أمام الكاميرات في الخدور، ويتحول المجتمع إلى زار كبير
تمارس فيه كافة أنواع الدجل باسم الحريات.







لقد استطاعت شرطة الأخلاق بهراواتها المقيتة أن تحول الرقص في الشوارع إلى
قضية رأي عام، وأن تجعل من هاشتاج "الإيرانيون السعداء الأحرار" سيف فساد
قادم نحو قلب المدينة المحافظة.







تأخرت شرطة القيم في إيران كثيرا، فلم تستطع استيعاب الدبكة الإيرانية
المستحدثة، ولن يستطيع الأوصياء على القيم الذين لا يسمحون برقص الحفاة في
أزقة المدينة، وتهتز كروشهم وهم يحذرون من خطر العلمانية القادم إلى الشرق
الإيراني المحافظ، بينما لا تثير رجفة الأطفال تحت شفرات سيوفهم المقدسة
أي نوع من التململ أو الاشمئزاز.







في إيران تسقط القيم، ليس من أجل حفنة من الشباب نذروا خصورهم لللتلوي فوق
سطوح منازلهم، ولا من أجل فتيات خلعن الحجاب عن سبق إصرار وتعنت أمام
الكاميرات المتلصصة، ولكن لأن القائمين على الأخلاق هناك لم يفرقوا بين
الصالح والمصالح، وبين ما قال الرب وما قال الفقيه.







عبد الرازق أحمد الشاعر









ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق