في فبراير عام 1931، رُزقت عائلة فوتساكي، وهي إحدى العائلات المسيحية الأرثوذكسية التي ترجع أصولها إلى جزيرة كريت، بطفلة رقيقة الملامح أطلقوا عليها اسم “كاترين”، كان الأب والأم يشكلان أسرة صغيرة من عشرات الأسر اليونانية التي كانت تقيم في منطقة الإبراهيمية بالإسكندرية، ولم تكن كاترين أول مولود لهما.
كاترين، التي رأت العائلة أن تناديها لاحقا باسم “كيتي”، كانت تتمتع بموهبة فنية مبكرة، ما دفع أسرتها لتوجيهها لدراسة الباليه والفنون الاستعراضية وهي في سن السادسة، عبر التحاقها بمدارس مختلفة في الإسكندرية، أبرزها مدرسة “نيكول” -التي كان مقرها الأصلي في الإسكندرية، قبل أن ينتقل مقرها إلى القاهرة- كما التحقت كذلك بمدرسة “مانوس ديميتريوس” لدراسة المسرح والدراما، حيث كانت المدرسة تنظم عروضاً لطلابها من الأطفال والبالغين قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945)، وكانت كيتي تشارك ضمن هذه العروض في سن مبكرة.
سريعا، بدأت موهبة كيتي تقودها إلى الاحتراف، حيث بدأت حياتها المهنية في سن صغيرة جدا، واستطاعت في تلك الفترة تقديم عروض فنية بصحبة الفرق التي كانت تعمل لديها في الإسكندرية أمام العديد من الشخصيات الهامة، حتى أنها قدمت عرضا راقصا أمام الملكة فريدة زوجة فاروق الأول ملك مصر.
عندما ظهرت كيتي لأول مرة في المسرح اليوناني بالإسكندرية، كانت تبلغ من العمر 8 سنوات فقط. وفي سن الثالثة عشرة شاركت ضمن عروض المطربة صوفيا فيمبو التي كانت تقوم بجولة فنية في مصر في ذلك الوقت (وصوفيا فيمبو هي ممثلة ومطربة يونانية، قيل إنها صاحبة أغنية “يا مسافر وحدك” الأصلية، وأشهر أفلامها هو فيلم يوناني بعنوان “اللاجئة” وأخرجه المخرج المصري توجو مزراحي سنة 1938).
في عام 1943 وجدت كيتي اللون الفني الذي رأت أنه يناسبها، والذي سيصاحبها طوال فترة عملها في مصر بعدما التحقت بفرقة “ماري جياترا ليمو”، حيث قدمت معها عدداً من العروض على مسارح الإسكندرية المختلفة، كما شاركت في عدد من المسرحيات، وخلال تلك الفترة تميزت كيتي بأداء أدوار الكوميديا، الذي مزجت بينه وبين الاستعراض والرقص، لتصبح علامة من علامات هذا اللون.
النجاح الكبير الذي حققته كيتي في الإسكندرية قياسا على سنها في ذلك الوقت، شجع أسرتها على اتخاذ قرارا بالرحيل إلى القاهرة عام 1946، وبعدما استقرت في شارع عماد الدين لتكون بالقرب من المسارح والكازينوهات، بدأت كيتي مواصلة دراستها للرقص بمدرسة البالية الروسية “سونيا إيفانوفا”، وهي نفس المدرسة التي درست بها كل من تحية كاريوكا وسامية جمال، حيث قامت أيضا بتعلم الفنون الاستعراضية والبهلوانية.
في حوالي عام 1948 بدأت العمل في الكازينو الشهير الذي كانت تديره الراقصة الأكثر شهرة بديعة مصابني، والذي ساهم بشكل كبير في انطلاقتها الفنية الحقيقية، حيث قدمت عروضا منفردة للرقصات الأوروبية.
كان “كازينو بديعة” يقدم حفلتين في اليوم، تضم اسكتشات مسرحية وعروضا للموسيقى والرقص، كما كان يقدم غداءً في منتصف اليوم لجميع أفراد الأسرة، بينما يفتح أبوابه في الساعة التاسعة والنصف مساء مع حفلات للبالغين يتم فيها تقديم الكحول. وفي العطلات الرسمية، وفي أيام الجُمع والآحاد، كان يتم افتتاح الكازينو في تمام السادسة والنصف، كما كانت تمنع بديعة راقصاتها وفنانيها من الجلوس على الطاولات مع الزبائن أو فتح زجاجات الخمور لهم، وكانت تكتب ذلك بشكل واضح في إعلاناتها المطبوعة، وهو ما طمأن أسرة كيتي على ابنتهم عندما أخبرتهم برغبتها في العمل بالكازينو، خاصة وأن أسرتها كانت تحرص على أن يرافقها أحد أفراد الأسرة بالإضافة إلى والدتها في أغلب حفلاتها وعروضها الفنية.
كانت كيتي من بين فريق الرقص الذي يتلقى تدريبا مكثفا بشكل يومي على يد بديعة مصابني نفسها، وكان يقوم بتصميم الرقصات في الكازينو مصممين كبار مثل إسحق ديكسون (والذي قيل إنه جاسوس إسباني تم القبض عليه سنة 1939 مع شخص آخر يدعي واباش، ولكن وجوده كمدرب في فرقة بديعة في هذا الوقت المتأخر من الأربعينات ربما ينفي هذه الشبهة عنه)، وإبراهيم عاكف (رائد فن الكلاكيت في مصر) واليوناني كريستوس كلاداكيس، الذين قدموا عروضا تمزج بين الرقص الشرقي والأوروبي والباليه.
وعلى الرغم من أن كيتي تم توظيفها في الكازينو لتقديم عروض رقصات أوروبية منفردة، إلا أنها كانت ترتدي زي الرقص الشرقي عادة، وتؤدي رقصات شرقية في أوقات كثيرة ولكن مع مجموعات أخرى.
في نفس سنة التحاق كيتي بـ”كازينو بديعة” حصلت الراقصة الصغيرة على فرصتها لأداء رقصة شرقية منفردة بعدما غابت الراقصة الأرمينية الشهيرة هدى شمس الدين. وفي هذا اليوم اقترحت بديعة أن تكون كيتي بديلة لهدى في تقديم الرقصة الشرقية، وكانت المفاجأة أن كيتي حققت نجاحا مذهلاً، واعتبر هذا اليوم بداية اكتشافها في الرقص الشرقي، وهو ما شكل مكسبا جديدا للكازينو.
هذا النجاح ساهم في ارتباط كيتي بهذا الكازينو لعدة سنوات، حيث ظلت تعمل به حتى قامت بديعة مصابني ببيعه إلى ببا عز الدين في مطلع الخمسينات والتي حولت اسمه إلى “كازينو شهرزاد”، قبل قيام ببا عز الدين ببيعه بدورها إلى فتحية محمد، ورغم انتقال ملكية الكازينو بين أكثر من مالك، إلا أن كيتي ظلت تعمل به تحت إدارة الملاك الثلاثة، وحتى عندما اندلعت النيران في الكازينو بسبب حريق القاهرة عام 1952، واحترقت داخله كل فساتين كيتي التي كانت تصممها لها إحدى شقيقاتها، فإن كيتي لم تترك الكازينو وظلت تعمل فيه بعد إصلاحه قرابة 10 سنوات بالتوازي مع عملها في السينما.
حكاية كيتي مع السينما بدأت في عام 1946، وذلك بعد أشهر قليلة من وصول كيتي وأسرتها من الإسكندرية، حيث شاهدها المخرج عبدالفتاح حسن في إحدى مدارس الرقص التي كانت تدرس بها، فأعجب بأدائها وابتسامتها، وقرر منحها فرصة الظهور لأول مرة على شاشة السينما، لأداء رقصة استغرقت بضع دقائق في فيلم “الغيرة”، الذي شارك في بطولته كل من عقيلة راتب وبرهان صادق ومحمود المليجي، وكان من تأليف بديع خيري، حيث لم تكن كيتي قد تجاوزت الخامسة عشر من عمرها بعد.
بعد نجاحها في تجربتها الأولى مع عبدالفتاح حسن، وبعد الإشادة بأدائها وجمالها وابتسامتها التي وصفها بالبعض بأنها “لا تقاوم”، قرر حسن الاستعانة بها مجددا عام 1948 في فيلم “نرجس” من بطولة نور الهدى ومحمد فوزي.
حتى ذلك الوقت لم يكن يظهر اسم كيتي على الشاشة، حيث لم يضعه عبدالفتاح حسن على تتر فيلمي “الغيرة” و”نرجس”، وكان أول ظهور لاسم كيتي في فيلمها الثالث “خلود” الذي قام بإخراجه وبطولته عز الدين ذو الفقار بمشاركة فاتن حمامة، حيث ظهرت باسمها اليوناني الكامل “كيتي فوتساكي”، من بعد هذا الفيلم، بدأت كيتي تستخدم اسمها الأول فقط كاسم فني في أعمالها.
بعدها بدأت تتوالى أعمالها السينمائية، مثل دورها في فيلم “المصري أفندي”، وفيلم “جواهر”، لتسجل حضورها الجذاب الذي أصبح من علامات السينما المصرية بعد ذلك.
خلال تلك الفترة المبكرة من مشوارها الفني، لم يقتصر نشاط كيتي داخل مصر فقط، بل كانت لها مشاركات في اليونان أيضا، حيث ظهرت في سبتمبر من العام 1949، على مسرح “سامارتزي” في أثينا كراقصة شرقية، كما قدمت خلال زيارتها لليونان عروضا تضمنت أغنيات لها، كتبت لها خصيصا من قبل أليكوس سيكيلاريوس.
كيتي التي كانت قد بدأت تنظر إلى مستقبلها الفني بأنه غير محصور في الرقص والاستعراض فقط، قررت في عام 1948 تلقي دروسا مكثفة لتحسين لغتها العربية، حيث كانت اللغة اليونانية بمثابة اللغة الأم لها كونها لغة التحدث التي تستخدمها في محيط أسرتها، كما بدأت في العام ذاته دروسا في التمثيل بفرقة يوسف وهبي.
أداء كيتي لدور الجنية في فيلم “الصبر جميل” في عام 1951، شكل مرحلة خاصة لها في السينما، حيث أظهر قدراتها التمثيلية بعيدا عن الرقص والاستعراض، كما زاد من شهرتها لدى رواد دور السينما في مصر، لتتوالى بعدها أفلامها الناجحة مثل “عفريتة إسماعيل ياسين” 1954، و”إسماعيل ياسين في متحف الشمع” 1956، وغيرها.
خلال فترة الخمسينات، تعاونت كيتي مع المخرج والسيناريست والمنتج حسن الصيفي، الذي قدمت معه مجموعة من الأعمال الناجحة، مثل “ابن ذوات” و”عفريتة إسماعيل ياسين” و”الظلم حرام” و”أبو عيون جريئة”، وهو ما خلق صداقة قوية بين كيتي والصيفي، تسببت في ظهور شائعة قالت إنهما تزوجا سرا، وهي الشائعة التي ستظل تطارد كيتي طوال حياتها.
عندما تم افتتاح التلفزيون المصري في العام 1960، اتجهت كيتي من السينما إلى الشاشة الصغيرة، حيث ظهرت في عدة مسلسلات درامية، وتوقفت بشكل تام عن الظهور في السينما، وفي عام 1965 عادت لتظهر لآخر مرة على شاشة السينما المصرية في فيلم “العقل والمال” برفقة إسماعيل ياسين، ليصبح إجمالي ما قدمته في السينما المصرية بدءا من العام 1946 وحتى نهاية مشوارها الفني في مصر قرابة 70 عملا سينمائيا، قدمت خلالها رقصات شرقية وأوروبية ورقصات أمريكية لاتينية، وأظهرت رشاقة مذهلة وأداء مميزا ومختلفا.
مسيرة كيتي الناجحة في مصر توقفت فجأة في عام 1965، بعدما قرر وزير العمل إلغاء تصاريح العمل للفنانين من غير ذوي الأصول المصرية، لدعم الفنانين المحليين، (وقتها كان الوزير هو محمد عبداللطيف سلامة الشهير بأنور سلامة)، وهو ما كان سببا في اضطرارها لمغادرة مصر مسقط رأسها، التي كانت جزءا من حياتها.
وبينما غادر العديد من الفنانين الأجانب مصر بسبب القرار الوزاري السابق في صمت، ودون أي اعتراضات من الجمهور على خسارة هؤلاء الفنانين، إلا أن الوضع كان مختلف بالنسبة إلى كيتي، وذلك لأن جمهورها المصري الذي أطلق عليها ألقاب عديدة مثل “الراقصة ذات الابتسامة الساحرة” و”ملكة الأنوثة والسعادة”، اعتبرها فنانة مصرية خالصة، خاصة وأن كثيرا من العروض الفنية التي شاركت بها كان يتم تقديمها فيها بوصفها الفنانة “اليونانية المصرية كيتي”؛ لذا كان يعتقد الكثيرون أن من حق كيتي أن تبقى في مصر ولا تغادرها وأن تواصل مسيرتها المهنية في البلاد، إلا أن ذلك لم يحدث لأن والديها كانا يونانيين بالفعل، لذا لم يكن لها الحق في ممارسة أي نشاط فني داخل مصر، وهو ما اضطرها للمغادرة.
بعد وصولها إلى اليونان، بدأت كيتي فوتساكي على الفور العمل في الاستوديوهات والمسارح اليونانية، خاصة وأنها كانت معروفة نوعا ما إلى الجمهور اليوناني، فبخلاف الحفلات التي كانت تقدمها كل بعضة سنوات في اليونان، كان يتم كذلك تقديم بعض أفلامها المصرية في السينمات اليونانية مدبلجة، مثل فيلم “بنت الهوى” بطولة تحية كاريوكا وإنتاج عام 1957، والذي عرض في اليونان باسم “ننوسة.. عاهرة القاهرة”! وهو أول إنتاج مصري يوناني مشترك، وشهد مشاركة ممثلين يونانيين آخرين بخلاف كيتي، مثل جورج يوردانيدس.
اللافت أن كيتي كانت تحرص غالبا على أداء رقصاتها في الأفلام التي شاركت بها في اليونان، على موسيقى فيلم “تمر حنة” المصري إنتاج سنة 1957 للموسيقار محمد الموجي، بينما قدمت الرقصة التي شاركت بها في آخر أعمالها السينمائية في اليونان عام 1980 على موسيقى فيلم “العقل والمال” الذي كان آخر أعمالها السينمائية في مصر.
في عام 1980، أنهت كيتي مسيرتها الفنية، حيث كانت آثار العمر قد بدأت تظهر على ملامحها في آخر رقصاتها، بعدما قاربت على الخمسين عاما، تاركة ورائها ذكرى جميلة، وموهبة استثنائية متعددة الوجوه، حيث اتجهت لإنشاء مدرسة لتعليم الرقص الشرقي في اليونان، ظلت تعمل بها لعدة سنوات، قبل أن تغادر من اليونان إلى أمريكا حيث أقامت هناك لفترة، عادت بعدها إلى أثينا مجددا لتستقر بها بشكل نهائي.
لا تزال كيتي على قيد الحياة ولا زالت تتحدث العربية بطلاقة، وزارت مصر عددًا من المرات، كان آخرها منذ حوالي 20 سنة، ولكنها لم تخبر أحداً بالزيارة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق